مداخلة السيد علي بن فليس أمام المؤتمر الجهوي لحزب طلائع الحريات (قيد التأسيس) بالبليدة

مداخلة السيد علي بن فليس أمام المؤتمر الجهوي لحزب طلائع الحريات (قيد التأسيس) بالبليدة

البليدة، 30 ماي 2015

السيد رئيس المؤتمر الجهوي،

السيدات و السادة أعضاء مكتب المؤتمر،

السيدات و السادة المندوبون،

أيتها المناضلات، أيها المناضلون،

السيدات الفضليات و السادة الأفاضل،

 

ها نحن نلتقي في آخر محطة من المحطات التحضيرية لانعقاد المؤتمر التأسيسي لحزب طلائع الحريات؛ و ها نحن نلتئم في آخر مؤتمر جهوي عهدت له كما للمؤتمرات الجهوية الأخرى مهمة تهيئة الأرضية الملائمة و توفير الشروط الضرورية و تعبئة القدرات المطلوبة و خلق الظروف المواتية لانعقاد المؤتمر التأسيسي لحزبنا في أنسب الأجواء و أحسنها.

لقد أديتم الواجب كاملا؛ و اضطلعتم بالمسؤولية أتم الاضطلاع؛ و أوفيتم بالعهد على وجه لا يشوبه شك أو نقص أو تقصير؛ لم تربكم الآجال المحدودة التي كانت تصادمكم و تداهمكم؛ و لم تنل من عزيمتكم الصعاب و الضائقات التي واجهتموها الواحدة تلوى الأخرى؛ و لم يُخفكم حجم المجهودات التي طلبت منكم و لا جسامة التضحيات الفردية و الجمعية التي قبلتم بتقديمها.

لقد كثر المشككون في قدرة عائلتنا السياسية على بلوغ هدف عقد المؤتمر التأسيسي لحزبنا في مدة زمنية جد ضيقة؛ و كثر كذلك المراهنون على تعثرنا و نحن ننتهج سبيلا أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه كان مفحما بالحواجز الحقيقية منها و المزيفة؛ و كثر أخيرا الجازمون على أننا حمَّلنا أنفسنا أكثر ما تطيق و أننا خضنا درب الفشل الذريع.

في الجهار أو في الخفاء؛ فُرَدَأ أو جماعة؛ في المدن و في القرى؛ في الشوارع أو في الأحياء تسلح كل واحد منكم بمبادئه و قناعته و التزاماته و أخذ من انتمائه لحزبنا نقطة ارتكاز و جعل من مشروعنا السياسي رسالة يجب ايصالها و كانت النتيجة أننا في الموعد.

ما كان لنا أن نكون في الموعد و نفي بالعهد لولا الجهود الجهيدة و التفاني المثالي و هبة الذات منقطعة النظير التي تميزت بها مناضلاتنا و مناضلينا و مسؤولينا على مستوى بلديات و دوائر و ولايات الوطن الحبيب.

أتوجه إلى كل منسقات و منسقي مكاتب حزبنا المؤقتة لأقول لهم أنهم ضربوا المثل في النضال السياسي المتجرد و المتفاني و أنهم قدموا أجل و أنبل الخدمات لحزبنا و أنهم وضعوا سابقة في الممارسة السياسية الشريفة و عكسوا عنها أسطع صورة و ألمعها؛ فلهم مني أسمى عبارات التنويه و الثناء.

و أتوجه كذلك إلى مناضلاتنا و مناضلينا في هذه المنطقة لأقول لهم أن لولاهم ما كان لحزبنا أن يرى النور و ما كان لمشروعه السياسي أن يظهر إلى الوجود؛ فتأسيس حزب طلائع الحريات جاء نزولا عند رغبتهم؛ و استجابة لطلبهم بتنظيم إطار يتقاسمون فيه حب الجزائر و خدمة الجزائر و التضحيات من أجل الجزائر؛ و تجسيدا لتطلعاتهم إلى بعث تشكيلة سياسية جامعة توفر لهم سبل الدفاع عما يحلمون به و يصبون إليه و يؤمنون به.

فأنتم مقدمون على تأسيس هذه التشكيلة السياسية التي طالما انتظرتم موعدها و وعودها؛ فلكم مني كل التهاني و كل التقدير و أنتم من جعل من الأمل واقعا و من المطلب ردا و من الطموح حقيقة.

و أتوجه أخيرا و ليس آخرا إلى المندوبات و المندوبين للمؤتمر التأسيسي لطلائع الحريات لأقول لهم: أنتم حقا طلائع اليوم و سيذكركم تاريخ حزبنا لاحقا و يسميكم أباؤه المؤسسون؛ فأنتم من سيبعث شرارات الحياة الأولى في جسد حزبنا؛ و أنتم من سيضع لبنات بنيته الأولى؛ و أنتم من سيشق الطريق له و يعبدها و يضع المعالم البينة و الدالة عليه. و في كل هذا تكمن مصادر الفخر و الاعتزار بالنسبة لكم و أنتم أهل بهذا الفخر و هذا الاعتزاز الكاملين.

لقد أوكل إليكم مناضلونا و مناضلاتنا في هذه المنطقة مهمة حمل أمانتهم و رسالتهم  إلى المؤتمر التأسيسي؛ المهمة ثقيلة و المسؤولية دقيقة و الواجب حساس غير أنه لا يساورني أدنى شك أنكم ستؤدون المهمة و تضطلعون بالمسؤولية و تقومون بواجبكم على النحو المريح و المرضي لموكليكم جميعهم.

 

السيد رئيس المؤتمر الجهوي،

السيدات الفضليات ، السادة الأفاضل،

 

إن طلائع الحريات في طريقها إلى الوجود، و لقد التحقتم بصفوفها عن قناعة و بالتزام، و قبلتم بالنضال في إطارها لأنها بنيت على أساس مجموعة من المبادئ ومنظومة من القيم تؤمنون بها و تتقاسمونها، و قررتم الانصهار فيها لأنها رفعت شعار الأمل و التفاؤل و الايمان بالمستقبل الأفضل في وقت يسود فيه اليأس و الإحباط و الخوف من الغد المجهول.

أعلم كما تعلمون في هذه الساعات القاتمة أن البعض قد يفضل الرضوخ للأمر الواقع أو البحث عن حل في انكماش على الذات أو القبول بحتمية القدر غير المستحق الذي ابتلي به بلدنا شر البلية.

لكنكم مناضلات و مناضلو طلائع الحريات نساء و رجال من طينة مختلفة لا تستسلمون للأمر الواقع ولا تتهربون من الضائقات، و لا تترددون ولا تتأخرون ولا تتقاعسون كلما إِسْتُوجب منكم الحس بالمسؤولية و دقة الخيار و وضوح الموقف والموقع.

نعم أنتم من طينة تُصْنع نساء و يُصْنَعُ رجال منها يحسنون الخيار الحاسم في الوقت الحاسم، يمتثلون لأوامر الواجب أن أَمَرَ ويضطلعون بالمسؤوليات – كل المسؤوليات- مهما كلفهم ذلك. و بالفعل فإن الأمر يتعلق في هذه الأوقات الحرجة التي يمر بها البلد بالخيار و الواجب و المسؤولية: لقد خُيِّرتم فاخترتم  و وصلكم نداء الواجب فلبيتم النداء و حُمِّلْتُم مسؤولية فقبلتم بحملها.

إن طلائع الحريات ليست حزبا جاء لمجرد إثقال المشهد السياسي الوطني أو تزينه، وليس تجمعا لنساء ورجال التفوا حول الدفاع عن مصالح أو مأرب ضيقة و خاصة، وليس فعل نساء و رجال يلهثون وراء بناء أو تلميع مسارات سياسية فردية، و ليس إطارا سياسيا أُسِسَ لتحسين سمعة سياسيات و سياسيين بحاجة ذاتية إليها.

لا تنتظروا هذا من طلائع الحريات و لا تعقدوا آمال و طموحات كهذه عليه، لأن طلائع الحريات هي حزب سياسي بمعناه الأنبل وبمغزاه الأكمل، فهو حزب في خدمة شعب و تحت تصرف أمة.

إن الأحزاب السياسية المفيدة والأحزاب السياسية النافعة و الأحزاب السياسية المجدية هي الأحزاب القادرة على إعطاء الممارسة السياسية معناها الحقيقي و إدخال التكامل بين السياسية و السياسي و علة وجوده المتمثلة في خدمة الصالح العام، و هي الأحزاب السياسية التي تأبى ألا تكون مجرد أداة في يد نساء و رجال يتصرفون فيها حسب ما يحلو لهم أو يليق بهم و تحرص على حمل مشروع سياسي تتفانى ذات النساء و يتفانى ذات الرجال في خدمته و في وضعه فوق مصلحتهم و مسيرتهم و مصيرهم.

نعم! لا مكان في الأحزاب السياسية الحقيقية ولا أهمية و لا أولوية سوى للمشروع السياسي الذي تقبل المناضلات و يقبل المناضلون بحمله و يضحون من أجل تبليغه و نصرته و إشعاعه؛ نعم! مواقع و تموقعات ومكانات النساء و الرجال ثانوية في وجه أَوَّلِيَة و أولوية المشروع السياسي المحمول.

نعم! نجاح المشروع السياسي أهم من النجاحات الفردية أو من جملة النجاحات الشخصية.

إنني أقف في البليدة أمام خامس و آخر مؤتمر تأسيسي لحزبنا؛ و قبل هذا سَعِدْتُ و شُرِفْتُ بافتتاح فعاليات مؤتمراتنا الجهوية التحضيرية على التوالي بوهران و بشار و قسنطينة و ورقلة؛ و في كل هذه المناطق من أرض بلادنا الشاسعة عاينت و اقتنعت بأن مناضلاتنا و مناضلينا أينما وجدوا متأكدون من أنهم طرف في مشروع سياسي و أنهم حاملو رسالة تجديد و أنهم جنود هذا المشروع و هذه الرسالة.

فالحقيقة هي أن السياسة في خدمة مشروع سياسي يمثل غايتها الأسمى و هي بذلك تقتضي هبة الذات و الاعتناء بالشأن العام و الاستعداد – كل الاستعداد- لخدمة الصالح العام دون سواه. و أينما كانت لي فرصة الالتئام بهم فإن مناضلاتنا و مناضلينا برهنوا أيَّمَا برهان عن تحليهم بهذه الخصال؛ و تيقنوا أن مواطناتنا و مواطنينا في كل ربوع البلد يترصدون تأسيس طلائع الحريات و يتابعون خطواته للتأكد من توفر هذه الخصال  و هذه السيمات فينا جميعا.

إن حكمي هذا ليس بالحكم القيمي و ليس بالتقييم العاطفي المنحاز و إنما يستند إلى معطيات دقيقة و موضوعية أود تقاسمها و إياكم:

  • لقد بدأ حزبنا مشواره ب 290 عضو مؤسس؛
  • و توصل إلى تنصيب هياكله على مستوى 47 ولاية و المقاطعات 13 المكونة لولاية الجزائر؛
  • و هو متواجد عبر 537 دائرة من دوائر الإقليم الوطني؛
  • و هو ممثل عبر 1250 بلدية من بلديات البلاد؛
  • و قصد تحضير مؤتمره التأسيسي شكلت هيئة وطنية من 220 عضو قامت بالمهام الموكلة إليها أحسن قيام؛
  • و عقدت إلى حد الساعة أكثر من 70 جمعية انتخابية عبر التراب الوطني قصد انتقاء المندوبات و المندوبين إلى المؤتمر التأسيسي لحزبنا من بين قاعدته النضالية الواسعة؛
  • و لقد وفقنا في عقد خمس مؤتمرات جهوية بما فيها مؤتمركم هذا؛

كل عملية من هذه الجملة من العمليات حساسة و شائكة و معقدة لَمَّا يتعلق الأمر بتأسيس حزب سياسي؛ غير أنها – و بالنسبة لحزبنا- قد جرت كل واحدة منها في ظروف لافتة من الهدوء و السكينة و السلاسة.

و بالفعل فلقد تمكنا جميعا من وضع حزبنا في مأمن من تناقض الذاتيات و تضارب الأنانيات و صراع الأشخاص و المواجهة في التموقعات. و هنا يكمن أصلب برهان و تتجلى أبلغ دلالة على تربع مشروعنا السياسي مكانةً أعلى من مكانة النساء و الرجال الذين وضعوا أنفسهم في خدمته بكل حزم و نزاهة و تجرد. و من هنا كذلك يتبين للجميع أن طلائع الحريات قد ضمنت لنفسها انطلاقة حسنة و مستقبلا واعدا.

السيد رئيس المؤتمر الجهوي،

السيدات الفضليات ، السادة الأفاضل،

إننا حَمَلَةُ لمشروع سياسي شامل و متناسق و متكامل و هذه هي الحقيقة الأولى؛ و من خلال هذا المشروع السياسي فإن طموحنا الوحيد هو خدمة شعبنا و أمتنا و هذه حقيقة ثانية؛ و هذا المشروع السياسي تحمله نساء و يحمله رجال قناعة و مبادئ و التزام و هذه حقيقة ثالثة.

من المسلم به و من البديهي أن هذه الجملة من الشروط ضرورية لكنها غير كافية؛ لماذا؟ لأن مشروعنا السياسي إذا أردنا به – كما نريد به- الإسهام في إعانة بلدنا على رفع التحديات التي تصادفه و تداهمه من شتى الاتجاهات يستوجب عليه الاعتلاء إلى مستوى هذه التحديات كلها؛ كما يجب عليه أيضا عرض رؤية و تقديم طموح و فتح أفق و اقتراح مسلك واضح و آمن؛ و كما تُنْتَظَرُ منه إضافة القدرة على معالجة طلبات و تطلعات مواطناتنا و مواطنينا و التكفل بها على الوجه المطلوب.

إن السياسي و السياسة في بلدنا باتا يبحثان بشغف عن سبل استرجاع شرعيتهما و مصداقيتهما؛ و هي الشرعية و المصداقية اللتان أفرغهما النظام السياسي القائم من مضمونهما و افقدهما أبسط معناهما كما أَبْتَرَهُمَا من علة وجودهما و حَيَّدهُما عن غايتهما المثلى.

أعني بهذا أن واجبا من واجبات مشروعنا السياسي يتمثل أيضا في الإسهام في إعادة الشرعية و المصداقية للسياسي و للسياسة اللتان بدونهما لا يمكن إطلاقا للممارسة السياسية أن تقنع أو تنفع.

سيتولى الشعب الجزائري السيد النطق بحكمه على مشروعنا السياسي؛ و بالتالي عليه أن يعلم أننا نقول في هذا المشروع السياسي ما سنفعل و أننا سنعمل بما نقوله فيه و أننا لن ندير أبدا ظهورنا إلى وعودنا و أننا لن نُخِلَّ بالتزاماتنا و أننا لن نتنكر لكلمة الشرف التي نعطيها.

في ظرف أقل من أسبوعين من اليوم ستشاركون في المؤتمر التأسيسي لطلائع الحريات و ستكونون طرفا فاعلا و ناشطا في بلورة و اعتماد مشروعه السياسي.

إن هذا المشروع السياسي يوصي بمخرج من كل الطرق المسدودة التي قيد إليها الوطن الغالي سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا؛ فحيثما زرع اليأس نريد إحياء الأمل من جديد؛ و حيثما غذى التشاؤم و الإخفاق نسعى إلى تفعيل حركية التفاؤل و الاستفاقة؛ و حيثما ساد الخمول و الجمود – بل النكوص- نصبو إلى المساهمة في إحقاق الوثبة و إقرار التجديد.

إن الوضع المأساوي الذي أصبح بلدنا حبيسا فيه لا يمثل أفقا غير قابل للتجاوز؛ و هذا الوضع المأساوي ليس بالحتمية المطلقة التي لا تقبل إلا بالاستسلام لأمرها؛ و هذا الوضع المأساوي ليس بالقدر الذي لا يمكن سوى الامتثال إلى حكمه.

إننا نعرض على شعبنا خيارا أخرا و نعرض عليه بديلا و ندله على درب مغاير يمكن انتهاجه؛ و هذا الخيار و هذا البديل و هذا الدرب يحملون أسماء: اسم الحداثة السياسية و اسم التجديد الاقتصادي و اسم الاصلاح الاجتماعي تحت راية مجتمع الحريات.

لقد قمنا بهذه الخيارات معا ؛ و سنعرض هذا البديل على شعبنا معا ؛ وسنشرع في انتهاج هذا الطريق المغاير معا.

ألتقي كثيرا و أتحدث كثيرا و المؤتمرات الجهوية الأخيرة لحزبنا التي شرفت وسعدت بإشراكي فيها كانت كلها فرصا للمزيد من اللقاءات والأحاديث. فأي كان محدثي وأي كان موضوع الحديث إلا و وجهت لي نفس الأسئلة ونفس التساؤلات وهي الأسئلة والتساؤلات التي تنم ببلاغة ووضوح عن مدى القلق والانشغال اللذان يطالان كل أوساط مجتمعنا بشأن مصير البلد.

  • هل الجزائر حقيقة قي خطر ؟
  • ما هي مسببات هذه الأخطار أو المخاطر ؟
  • هل من حل وهل من مخرج ؟
  • ما الذي يجب فعله من أجل الإسراع بالحل وبإيجاد المخرج ؟

حاولت في كل مرة طرحت علي هذه الأسئلة أو التساؤلات الإجابة عنها وأحاول تقاسم أجوبتي عليها معكم اليوم.

نعم ! إن الجزائر في خطر ! وهذا الخطر ليس بالخرافة أو الوهم وبالأسطورة التي يرددها الحاسدون والمشككون و المغرضون؛ وهذا الخطر ليس من فعل زارعي اليأس و الإحباط؛ وهذا الخطر ليس نتاج تخويفات أو تهويلات سياسوية صرفة.

بل هو واقع قاسي وحقيقة مرة ووضعية أليمة .

فكيف للبلد أن لا يكون في خطر و الرأس لا يرأس والحكومة لا تحكم و المؤسسات لا تؤسس لما يخدم الصالح العام ويعتني بالشأن العام ؟ وكيف للبلد أن لا يكون في خطر والتهديدات المباشرة تتراكم في جوارنا القريب و دولتنا الوطنية قد اهتزت أركانها من جراء شغور السلطة وتعطل المؤسسات ؟ وكيف للبلد أن لا يكون في خطر والسلطة السياسية فاقدة لشرعيتها ومصداقيتها ؟ وكيف للبلد أن لا يكون في خطر وحكومة غير صائبة قد ضيعت عليه عشرية كاملة من البحبوحة المالية دون بناء منظومة اقتصادية واجتماعية حصينة ومنيعة ؟ وكيف للبلد أن لا يكون في خطر وأزمة طاقوية عالمية قد طالته و اقتصاده الوطني في حالة لا استعداد لامتصاص صدماتها وفي حالة هشاشة وتفكك وفي حالة تبعية خانقة وفي حالة اختلال لم يُقَوَّم بالرغم من توفر القدرات و تهاطل العائدات المالية؟

نعم ! لقد أضاع حكامنا على الجزائر الحبيبة الورقة الرابحة تلو الورقة الرابحة ! وأضاعوا عليها الموعد تلو الواعد ؛ وأضاعوا عليها السانحة تلو السانحة.

  • أضاعوا على منظومتنا السياسية فرصة دَمَقْرَطَة و عصرنة نظام الحكم الذي أقحموه في النفق المظلم للشخصنة والتسلطية والشمولية ؛
  • أضاعوا على البلد فرصة بناء اقتصاد وطني منتج وتنافسي وناجع بتقويضه في حدود منظومة تستهلك الكثير وتنتج القليل ؛ تسهل الاستيراد وتعيق الإنتاج ؛ تحرر اللهث وراء المال السهل وتقيد الطاقات الإبداعية و الخلاقة؛ تغذي نمو الاقتصاديات العالمية عبر برامج الإنعاش و تُقَزِّمُ نمو الاقتصاد الوطني ؛ تُغْرِق البلد في تبعية متعددة الأشكال والأبعاد وتبعده عن مزايا و مستلزمات الاتكال على الذات التي تبنى على أساسه الأمم الراقية.

وأضاعوا على البلد فرص الإصلاحات الاجتماعية ؛ فقبل أن يفسد الفساد البنية الاقتصادية فإنه أفسد المجتمع ؛ قُلِبَ سُلَّمُ القيم و شُوِهَت منظومة المراجع الأخلاقية فحل السباق نحو الكسب المتيسر والوصول إلى مصادر الريع في شتى أنواعها محل الجهد والكد والعمل ؛ وحصلت القطيعة الكبرى بين الحاكم والمحكوم مع اندثار عاملي الثقة والمصداقية بينهما ؛ و قُسِمَتْ المواطنة إلى مواطنة تحت العادة ومواطنة فوق العادة ؛ و صُودِرَتْ الحريات وهضمت الحقوق في شكلها الطبيعي وفي شكلها الدستوري على حد سواء.

إن المنظومة السياسية الوطنية القائمة باتت عاجزة على تقديم مشروع وطني جامع وطموحات محفزة وجذابة و رسم آفاق جديرة بأن يعمل الكل منا يد في يد من أجل الوصول إليها.

فلا يُوجه المنظومة السياسية الوطنية و يحركها سوى هدف الحفاظ على الأمر الواقع ؛ ولا مشروع لها سوى تسيير البلد يوم بعد يوم ؛ و لا بوصلة لها سوى تلك المُوَجِهَة نحو التمديد من عمر النظام السياسي القائم.

هذا هو حال الجزائر المغبونة اليوم  و مصادر غبنها عدة.

السيد الرئيس ؛

السيدات الفضليات والسادة الأفاضل ؛

إن مصادر الغبن عدة ؛ ومنابع المحنة مختلفة ؛ ومقومات البلية متنوعة.

و لو كان لي أن أُحَدِدَ وأن أُشَخِصَ و أُعَرِّف بعامل واحد من بين كل العوامل التي تلاقت في توليد هذا الغبن وهذه المحنة وهذه البلية لما ترددت – و لو لوهلة – و أشرت إلى الفساد.

ففي الفساد العارم وفي الفساد المتجذر وفي الفساد الذي لم يعد سرا ولا عارا تجتمع كل الأضرار التي لحقت بالأمة وتتجسد كل إخفاقات النظام السياسي القائم سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية. فلقد أضحى الفساد مرضا مزمنا في جسد الأمة؛ مرض أضعفها وشوه وجهها وأهدر قدراتها ونال من سبل دفاعها المُمَنعِّة و المُحصِّنة والوقائية. و أزن كلامي و أتقن الميزان و أقول أن الرشوة و الاختلاسات و نهب المال العام قد جردت المجتمع بأكمله من حصاناته و مناعاته الأخلاقية و هذا أخطر و أخبث و أقبح و ألعن ما فيها.

لقد صار الإجرام المالي المنظم سيد الموقف في بلادنا والحال أن الرشوة الكبرى قد وضعت الاقتصاد الوطني تحت قبضتها الحديدية المطلقة . فقضايا – أو ما يسمى بملفات-  الفساد قد اكتست أبعدا غير مسموعة وغير مرئية وغير معروفة  من قبل ؛ وطيلة عشرية كاملة توسع الفساد وتنوع وتعقد دون أن يوضع حد لمنحاه ودون أن يُحَاسَب و يُعاقب إلى أن أصبح خاصية مشينة من خاصيات المشهد الاقتصادي الوطني.

لقد تراكمت قضايا الفساد وتعاقبت وتشابهت دون أي رد فعل ردعي يُذْكَر من طرف السلطات العمومية.

فالاستنتاج والاستقراء الوحيدان اللذان يمكن الوصول إليهما هما أن الدولة لا زالت ضعيفة في وجه الفساد وأن الاقتصاد الوطني لا زال عرضة لجرائمه وأضراره وأن المجتمع لا يزال بدون مناعة وحصانة تَقِيه من شره وإثمه.

فلا الإرادة السياسية فرضت حزمها أمام استشراء الفساد ولا الأطر النظامية أثبتت فاعليتها في محاربته والوقاية منه ولا التشريعات السارية المفعول فرضت قدرتها على القضاء عليها.

وبالفعل فإنه من الواضح والجلي أن تفشي الفساد قد قوبل من طرف النظام السياسي القائم بموقف معاكس لما كان ينتظر منه و برسالة مغايرة للرسالة التي كانت مطلوبة منه: موقف التلاطف والتسامح مع الفساد والمفسدين ورسالة اللا حساب واللاعقاب نحو من تلاعبوا أيما تلاعب بأموال شعبنا و هو ضحية الفساد الأولى.

فلا كلام جاد عن محاربة الفساد والوقاية منه دون إثبات إرادة سياسية صارمة لمحاربته.

نعم ! إن محاربة الفساد تستدعي قبل كل شيء إرادة سياسية ذات مصداقية أكيدة.

فالإرادة السياسية الفعلية هي نقطة انطلاق كل مسعى جاد ضد الفساد؛ و هي أداة القضاء على مأتاه و السد المنيع في وجه مَأَلَه.

بعد إثبات الإرادة السياسية الصلبة و الصادقة تتطلب مقاومة الفساد هيئات و هياكل فعالة ذات سلوطات ومهام واضحة؛ و هي الهياكل و الهيئات التي يفترض أن تحتوي على الخبرات و التخصصات –بما فيها تلك الأكثر تعقيدا- و أن تتوفر لديها الكفاءات البشرية اللازمة و أن توضع في مأمن من الضغوطات و التدخلات التي كثيرا ما أفشلت و أبطلت مفعول المحاولات الضئيلة و الهزيلة  الرامية إلى محاربة الفساد و الوقاية منه.

كما تستوجب محاربة الفساد عدالة مستقلة؛ فلا يمكن لمحاربة الفساد أن تؤخذ على محمل الجد و المؤسسة القضائية تحت الضغوط و النفوذ و الإملاءات الفوقية.

هذه هي أيتها السيدات الفضليات و السادة الأفاضل بعض التحاليل و الأفكار التي وددت تقاسمها معكم بهذه المناسبة المباركة و هي التحاليل و الأفكار التي أملاها علي وضع البلد غير المريح و غير المرضي إطلاقا.

لقد تَوَلَّد عن هذا الوضع اليأس و الإحباط و الامتعاض و هي المشاعر و الاحساسات السائدة في مجتمعنا اليوم.

و إذا كان لطلائع الحريات اليوم دورا و إذا كانت لها غاية و إذا كان لها طموح فهذا الدور و هذه الغاية و هذا الطموح يتمثلون في زرع الأمل مكان اليأس و التفاؤل مكان الإحباط و الاستبشار بالمستقبل مكان المرارة و الامتعاض. و ما مشروعنا السياسي برمته سوى رسالة أمل و طموح و إيمان بالغد الواعد.

أتمنى لمؤتمرنا هذا كامل النجاح و التوفيق و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

 

مقالات ذات صلة

مداخلة السيد علي بن فليس أمام هيئة المتابعة و التشاور للمعارضة

مداخلة السيد علي بن فليس أمام هيئة المتابعة و التشاور للمعارضة

الجزائر، 6 جوان 2015 أشكر أخي سي عبد الرزاق مقري و سائر أعزائنا في حركة مجتمع السلم على استضافتهم الكريمة لاجتماع هيئتنا و على إتاحتهم لنا فرصة...

مداخلة السيد علي بن فليس أمام المؤتمر الجهوي لحزب طلائع الحريات (قيد التأسيس) بورقلة

مداخلة السيد علي بن فليس أمام المؤتمر الجهوي لحزب طلائع الحريات (قيد التأسيس) بورقلة

ورقلة، 28 ماي 2015 السيد رئيس المؤتمر الجهوي، السيدات و السادة أعضاء مكتب المؤتمر، السيدات و السادة المندوبون، أيتها المناضلات، أيها المناضلون،...

مداخلة السيد علي بن فليس أمام المؤتمر الجهوي لحزب طلائع الحريات (قيد التأسيس) ببشار

مداخلة السيد علي بن فليس أمام المؤتمر الجهوي لحزب طلائع الحريات (قيد التأسيس) ببشار

بشار، 21 ماي 2015 السيد الرئيس؛ السيدات و السادة أعضاء مكتب المؤتمر الجهوي؛ السيدات و السادة المندوبين؛ السيدات و السادة؛   أشكركم من صميم قلبي...

مداخلة السّيد علي بن فليس لدى افتتاح المؤتمر الجهوي لحزب طلائع الحريات (قيد التأسيس) بقسنطينة

مداخلة السّيد علي بن فليس لدى افتتاح المؤتمر الجهوي لحزب طلائع الحريات (قيد التأسيس) بقسنطينة

قسنطينة، 23 ماي 2015 السّيد الرئيس، السّادة المشرفون الجهويون السّادة المنسقون للمكاتب الجهوية للولايات والبلديات السيدات و السّادة المنتدبون...